المستقبل المجهول

لقد وقعت أرض فلسطين ومن فيها ضحية لتآمر عالمي منذ مطلع القرن الماضي أو قبله بقليل, بدأ ذلك التآمر فعليا بإعطاء من لا يملك لمن لا يستحق (وعد بلفور 1917) تلتها الخطوة التالية بعد ثلاثين سنة بوهب من لا يملك مرة ثانية لمن لا يستحق (1947 قرار  التقسيم) حينما أعطت هذه العصابة  الظالمة 56.4 % من الأرض لليهود الذين لم يحتلوا في ذلك الوقت إلا أقل من 6% من الأرض بمساعدة بريطانيا العظمى وانتهت هذه الحقبة بحرب 1948 التي لم تكن بحرب أبدا فقد كانت بين بعض المقاومين ببنادقهم القديمة وبين جيش مدجج بالسلاح والعتاد فمعظم جيوش  الدول العربية لم تشارك إلا رفعا للعتب, ورُسم لها خط أحمر ليس لها أن تتعداه بل وحُدد لها أين تقف وأين تبقى, واحتلت إسرائيل بعصاباتها 77% من أرض فلسطين, ثم وبعد عشرين عاما ( هزيمة 1967) احتلت إسرائيل فلسطين كاملة وأراض عربية لم تكن تطمع في احتلالها لولا أنها وجدت الأبواب مفتوحة وحماة الديار يهربون, ثم تلت ذلك حروب ومعارك لم تغير شيئا على أرض الواقع من حيث احتلال أرض من قبل إسرائيل أو تحريرها من قبل العرب حتى وصل فريقٌ من العرب, واجتهد وقام وانتصب وقرر لعب مسلسل جديد بدءا باتفاقية كامب ديفيد مع مصر ثم اتفاقيات السلام في أوسلو ووادي عربة وغيرها, وها نحن اليوم هنا بين فريقين فريق السلام والحمام والفنادق وفريق السلاح والكفاح والخنادق, وهنا لا بد لاستنتاج بعض النقاط مما سلف ثم نكمل في معادلة الفريقين

1.   لقد حققت إسرائيل نصرا عسكريا واحتلت الأرض وأهلكت الحرث والنسل وأفسدت وأحرقت ولكنها لم تستطع أن تكسب  الصراع وتنهيه على ما النحو الذي أرادت

2.   لقد حققت إسرائيل نصرا عالميا بجعل كل ا لقوة الفاعلة أن تقف في صفها أو أن تحيدها في المحافل الدولية والمجالس العالمية ولكنها لم تستطع أن تكسب هذه  المعركة على مستوى الشعوب فمعظمها يعرف أن إسرائيل دولة مغتصبة ودولة إرهاب وعنف

3.   أكثر من خمسة ملايين فلسطيني لا زالوا يرابطون في أرضهم يشدّ أزرهم ما يزيد عن ستة ملايين فلسطيني في المهجر ينتظرون العودة, وقد علم الآباء أبناءهم القضية وانتقلت عبر الأجيال, بل إن العجيب أن الجيل تلو الجيل يأتي متعصبا أكثر لقضيته وأكثر تطرفا وجنوحا للمواجهة وهذا ما لم يحسبه ساسة إسرائيل

4.   رغم الهزائم السياسية عبر العملية السلمية إلا أن جميع الشعوب أدركت فشل هذه العملية حاليا وفي ا لمستقبل ولا يعلق عليها أملا إلا من استفاد منها ماديا أو نال منصبا أو حاجة من حوائج السلطان وهم قلة يعدون على أصابع العصبة

5.   بعد حرب غزة عام 2008 اكتسبت القضية الفلسطينية زخما إسلاميا وعالميا جديدا ودعما جيدا, وهذا يعزز قوة  الشعب الفلسطيني أمام قوة إسرائيل ومن يقف خلفها

 

رغم هذه الإستنتاجات الجيدة حقيقة إلا أننا وصلنا إلى وضع مائع غير مستقر, ولا يمكن التكهن بمستقبله فالمعادلة لم تعد من الدرجة الأولى رياضيا, بل إن لها من الدرجات ما يصعب على عتاة وجهابذة الرياضيات حلها, فعلى أحد أطراف المعادلة معظم أصحاب الحق والأرض ومعهم بعض الداعمين والمؤييدين على المستوى السياسي والشعوب الإسلامية بل وأجزاءٌ كبيرة من شعوب  العالم وعلى الجهة الأخرى المتنفذون من أصحاب الحق المنسي ومعهم معظم أنظمة العالم العربي, ويضاف إلى ذلك جهات فاعلة ومعادية للطرفين ولكنها تريد أن تشعل نار الفتنة وتريد تعزيز الإنقسام لإنها لا تريد مصلحة الشعب الفلسطيني وتريد أن تنقل هذا الإنقسام عبر الأجيال, وربما تنشط عن طريق غير مباشر على كل أطراف المعادلة حسب المعطيات والظروف, يضاف إلى ذلك ما يدّعيه كل طرف من حمل هموم الشعب الفلسطيني وقضيته وغيرها من الأمور التي لا تزيد المعادلة إلا تعقيدا ورفعها إلى درجات عليا كالحصار مثلا أو الخوف من انتقال نظام الحكم في غزة أو لعبة المحاور العربية والإقليمية وغياب الدور الروسي والصيني إلى غيرها من الأمور الأخرى,

 إذن فما العمل؟ وما هو الحل؟

 فنقول:

منذ تمحور هذه المعادلة والتوازن بين طرفيها قائم بحيث صعب حلها كي ينتقل طرف إلى طرف ورغم الآلام والمآسي التي حصلت بين الطرفين إلا أن التوازن ظل قائما رغم المحيط الخارجي المؤثر ومجاله الجاذب إلا أن عدم انفراط العقد ظل قائما وهذا ما نرجوه في الحقبة القادمة حتى تتغير الظروف والمناخ العام والمؤثرات الخارجية, يجب أن يبقى التوازن قائما وإلا فإن حل المعادلة في هذه الظروف التي نعيشها لن يكون أبدا من صالح الشعب الفلسطيني فهو حل غير صحيح وحل سيثبت فشله بعد قليل, وفي النهاية نقول:

 

إن هذا الشعب العظيم صاحب الأرض والحق والرسالة والحضارة سيطرد هذا الدخيل الغريب الباغي الطاغي

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نزار دعسان